الأربعاء - 26 مارس 2025 - الساعة 09:52 م
شذرات إستراتيجية
شذرات إستراتيجية..
وسط مشهد إقليمي يزداد احتقاناً، وتصعيد عسكري متواصل، خرج رئيس المجلس السياسي الأعلى في صنعاء، مهدي المشاط، بخطاب يحمل أبعاداً سياسية وإستراتيجية لافتة، موجّهاً رسالته إلى السعوديين، مطالباً بتنفيذ الاتفاقات التي تمهد للسلام، ووقف “العدوان”، ورفع الحصار، وسحب القوات الأجنبية من اليمن .
يأتي هذا التصريح في لحظة حرجة، حيث تواصل الولايات المتحدة وحلفاؤها تنفيذ ضربات جوية مكثفة على مواقع الحوثيين، الذين يسمون أنفوسهم أنصار الله وذلك ضمن حملة تهدف إلى تقويض قدرتهم على تهديد الملاحة في البحر الأحمر .
لكن ما الذي دفع المشاط إلى تبني هذا الخطاب في هذا التوقيت؟ وما الأهداف الحقيقية وراءه ؟ وهل هو خطوة نحو السلام أم مجرد مناورة سياسية في ظل الضغوط المتزايدة ؟
ما الذي دفع المشاط إلى هذا الخطاب ؟
جاء خطاب المشاط كرد فعل مباشر على الضربات الأمريكية والبريطانيه المتكررة، التي تهدف إلى تحجيم قدراتهم العسكرية، بعد استهدافهم السفن في البحر الأحمر .
لكن خلف هذا التصريح تكمن دوافع أعمق تتجاوز مجرد الرد العسكري، إذ يعكس الخطاب تحركاً استراتيجياً يسعى إلى إعادة صياغة المشهد السياسي والعسكري في اليمن والمنطقة .
ومن أبرز العوامل التي دفعته إلى هذا الخطاب :
1- التصعيد الأمريكي والبريطاني وتأثيره على توازن القوى :
الضربات المكثفة التي تستهدف مواقعهم الإستراتيجية والتي تهدد نفوذهم العسكري وتفرض تحديات على عملياتهم الهجومية، مما دفعهم إلى محاولة إعادة توجيه الأنظار نحو السعوديين .
فبدلاً من مواجهة التصعيد الأمريكي مباشرة، يحاول الحوثيون جرّ الرياض إلى موقف أكثر مرونة، على أمل أن يدفع ذلك نحو مسار تفاوضي يُبقي لهم مكاسبهم .
2- الضغوط الداخلية والخارجية وتحديات الاستمرار في الصراع :
يواجه الحوثون ضغوطاً متزايدة على الصعيدين الداخلي والخارجي، سواء من حيث التحديات الاقتصادية التي تثقل كاهل المناطق الخاضعة لسيطرتهم، أو من حيث تزايد العزلة السياسية بفعل العمليات العسكرية الدولية ضدهم، وتصنيفهم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية جماعة ارهابية .
هذه التحديات تجعلهم بحاجة إلى فتح أفق سياسي جديد يضمن إستمرار نفوذهم، مع الحفاظ على الحد الأدنى من المكاسب السياسية والعسكرية التي تحققت خلال السنوات الماضية .
3- استثمار التحولات الإقليمية والتقارب السعودي-الإيراني :
يشكل التقارب السعودي-الإيراني متغيراً محورياً في المعادلة، حيث يدرك الحوثيون أن تحسين العلاقات بين الرياض وطهران قد ينعكس على موقف السعوديين من الأزمة اليمنية .
ومن هذا المنطلق، يسعى الحوثيون إلى استثمار هذا التحول عبر تصعيد خطابهم تجاه السعودية، في محاولة لدفعها نحو تقديم تنازلات تعزز موقفهم، سواء في أي مفاوضات مستقبلية أو في إعادة ترتيب المشهد السياسي في اليمن .
هل هو خطاب للسلام أم مناورة سياسية ؟
في ظل هذه العوامل، يبدو أن خطاب المشاط ليس مجرد دعوة للسلام بقدر ما هو جزء من إستراتيجية أوسع تهدف إلى الضغط على الرياض وإعادة ضبط ميزان القوى .
فبينما يسعى الحوثيون إلى تصوير أنفسهم كطرف منفتح على الحلول السياسية، فإن تصاعد العمليات العسكرية الأمريكية قد يجبرهم على تغيير مسارهم، إما بالمزيد من التصعيد أو بمحاولة البحث عن مخرج دبلوماسي يحفظ لهم موقعهم في المشهد اليمني .
أهداف الخطاب.. بين الدبلوماسية والمناورة السياسية
رغم أن خطاب المشاط جاء في سياق الحديث عن السلام، إلا أنه يحمل في طيّاته رسائل سياسية وعسكرية تتجاوز مجرد الدعوة لإنهاء الحرب .
فهو ليس مجرد نداء للتسوية، بل خطوة محسوبة تهدف إلى إعادة توجيه المشهد الإقليمي وفقاً لمصالح الحوثيين .
ومن أبرز الأهداف التي يسعى الخطاب إلى تحقيقها :
1- الضغط على السعوديين وإعادة صياغة أدوار الأطراف :
يسعى الحوثيون إلى تقديم أنفسهم كطرف منفتح على السلام، بينما يصورون الرياض كالمسؤول الأول عن إستمرار الحرب .
هذه الإستراتيجية تهدف إلى إحراج السعوديين على الساحة الدولية، ودفعهم إلى إعادة النظر في سياساتهم تجاه الأزمة اليمنية، خصوصاً في ظل تزايد الضغوط الدولية لإنهاء الصراع .
2- كسب التعاطف الداخلي والإقليمي وبناء شرعية جديدة :
من خلال تصوير أنفسهم كضحايا “للعدوان الأمريكي”، يحاول الحوثيون تعزيز شرعيتهم داخلياً وإقليمياً .
فالخطاب يستهدف الجمهور المحلي لكسب مزيد من الدعم الشعبي، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية، كما يسعى لكسب تعاطف قوى إقليمية قد ترى في الضربات الأمريكية تهديداً لمصالحها .
3- خلق فجوة بين الرياض وواشنطن وتحريك التوازنات الدبلوماسية :
عبر التلميح إلى أن السعوديين قد يكونوا أكثر ميلاً لإنهاء الحرب، بينما واشنطن تواصل التصعيد العسكري، يحاول الحوثيون دق إسفين بين الحليفين .
هذه الخطوة قد تدفع الرياض إلى البحث عن مسار تفاوضي مستقل بعيداً عن التأثير الأمريكي، مما يمنح الحوثيين فرصة للحصول على تنازلات بشروط أكثر مرونة .
4- تحقيق مكاسب تفاوضية مسبقة وتحصين الموقف السياسي والعسكري :
يدرك الحوثيون أن إستمرار الضربات الأمريكية قد يؤدي إلى تقليص قدراتهم العسكرية، وبالتالي يسعون إلى استباق أي تحولات قد تضعف موقفهم التفاوضي .
لذلك، يهدف الخطاب إلى فرض شروط مبكرة قبل أن تتغير موازين القوى، بما يشمل الانسحاب الكامل للقوات الأجنبية، ورفع الحصار، وتعويض المتضررين، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وهي مطالب يدركون أن تحقيقها قد يمنحهم نفوذاً سياسياً طويل الأمد .
بين الواقعية السياسية والمراوغة التكتيكية
في نهاية المطاف، يبدو أن خطاب المشاط يتأرجح بين محاولة تثبيت موقف الحوثيين كقوة سياسية لا يمكن تجاوزها، وبين السعي للحصول على أكبر قدر من المكاسب قبل أن تفرض الضربات الأمريكية واقعاً جديداً .
فهل ستتعامل الرياض مع هذا الخطاب بجدية، أم أنه مجرد ورقة أخرى في لعبة التفاوض الإقليمي ؟ هذا ما ستكشفه التطورات القادمة .
التداعيات المحتملة.. إلى أين يتجه المشهد ؟
في ظل التصعيد العسكري والتوترات المتزايدة، يفتح خطاب المشاط الباب أمام عدة سيناريوهات قد تعيد رسم ملامح الصراع في اليمن والمنطقة .
فرغم أن الخطاب يحمل نبرة سياسية، إلا أن تداعياته قد تتجاوز الجانب الدبلوماسي، لتنعكس على المعادلات العسكرية والاستراتيجية .
ومن أبرز السيناريوهات المحتملة :
1- تصعيد عسكري محدود بين الحوثيين والسعودية :
إذا استمرت الرياض في دعم العمليات العسكرية ضد الحوثيين، سواء بشكل مباشر أو عبر التنسيق مع الحلفاء، فقد تلجأ الجماعة إلى التصعيد الميداني باستهداف المصالح السعودية، سواء عبر الطائرات المسيّرة أو الصواريخ الباليستية، ما قد يؤدي إلى موجة جديدة من الضربات المتبادلة تزيد من تعقيد المشهد .
2- استمرارية الضربات الأمريكية وتوسّع نطاقها :
من المرجح أن تنظر واشنطن إلى خطاب المشاط كمناورة سياسية تهدف إلى تخفيف الضغط العسكري دون تقديم تنازلات حقيقية .
وفي هذه الحالة، قد تستمر الضربات الجوية الأمريكية لضرب قدرات الحوثيين العسكرية، وربما تتسع لتشمل أهدافاً أكثر إستراتيجية، مما قد يؤدي إلى تصعيد غير مسبوق بين الطرفين .
3- تصاعد الضغوط على السعودية للبحث عن حل سياسي :
مع تزايد الكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب، قد تجد الرياض نفسها أمام ضرورة البحث عن مسار دبلوماسي أكثر مرونة .
وإذا تصاعد الضغط الدولي، خاصة من حلفائها الغربيين، فقد تضطر إلى تقديم تنازلات في سبيل تهدئة الوضع، سواء عبر تعزيز المفاوضات مع الحوثيين أو إعادة تفعيل القنوات الدبلوماسية مع القوى الإقليمية المؤثرة .
4- إحتمالية فتح قنوات دبلوماسية جديدة بوساطات إقليمية ودولية :
قد يكون هذا الخطاب مقدمة لتحركات دبلوماسية جديدة، خصوصاً عبر سلطنة عمان التي لعبت دوراً بارزاً في الوساطات السابقة .
كما قد تدخل الأمم المتحدة على الخط لمحاولة ضبط التصعيد وإيجاد صيغة توافقية تضمن الحد الأدنى من التهدئة، سواء عبر إتفاقيات جزئية أو العودة إلى مسار المفاوضات السياسية الشاملة .
بين التصعيد والتفاوض.. أي سيناريو سيحكم المرحلة القادمة ؟
يبدو أن المشهد اليمني يسير على حافة معادلة دقيقة بين إستمرار التصعيد العسكري وفتح المجال أمام حلول سياسية محتملة .
فبينما تسعى بعض الأطراف إلى فرض واقع جديد بالقوة، تبقى الدبلوماسية خياراً قائماً، لكنه مشروط بتغيرات ميدانية قد تعيد رسم قواعد اللعبة .
فهل يكون خطاب المشاط بداية لتغيير المعادلة، أم أنه مجرد تكتيك مؤقت في صراع يبدو أنه لا يزال بعيداً عن نهايته ؟ الأيام القادمة ستكشف الإجابة .
التوقعات الاستراتيجية.. إلى أين تتجه الأمور ؟
في الوقت الذي تتصاعد فيه الضغوط العسكرية والسياسية على جميع الأطراف المعنية، فإن التوقعات الإستراتيجية تشير إلى تطورات معقدة على المدى القريب والبعيد، قد تغير مسار الأزمة اليمنية وتعيد تشكيل التحالفات الإقليمية والدولية .
بينما يتفاقم التصعيد العسكري، يبقى في الأفق إحتمال التوصل إلى تسويات دبلوماسية قد تكون أكثر تعقيداً مما يظن البعض. ومن أبرز التوقعات الاستراتيجية :
1- واشنطن :
الضغط العسكري قد يتصاعد
إذا استمرت الهجمات الحوثية على السفن في البحر الأحمر، فمن المتوقع أن تزيد واشنطن من ضغطها العسكري على الحوثيين بهدف تقليص قدراتهم في هذا القطاع الاستراتيجي .
التصعيد الأمريكي قد يشمل ضربات أوسع وأشمل، لا سيما في ظل المصالح الغربية المرتبطة بحرية الملاحة، ما قد يدفع الحوثيين إلى تصعيد ردود أفعالهم بشكل أكبر، إما عبر هجمات أكبر أو عبر تحركات عسكرية قد توسع نطاق الصراع إلى جبهات جديدة .
2- الرياض :
بين الحرب والمفاوضات
في ظل تصاعد التوترات، قد تجد الرياض نفسها أمام خيار استراتيجي بالغ الصعوبة :
إما الاستمرار في الحرب لتحقيق أهدافها، أو البحث عن مخرج سياسي يضمن الحفاظ على مصالحها الإقليمية .
التحديات الاقتصادية والعسكرية قد تدفع السعوديين نحو التفكير في حلول دبلوماسية أكثر مرونة .
وفي هذه الحالة، قد تعيد الرياض تقييم موقفها، خاصة إذا تلقت ضغوطاً من المجتمع الدولي والمجموعة الإقليمية في الخليج للبحث عن تسوية سلمية .
3- الحوثيون :
تعزيز الموقف التفاوضي عبر التصعيد والمناورة
على الجانب الآخر، يسعى الحوثيون إلى تعزيز موقفهم التفاوضي من خلال استهداف المصالح الغربية أو إستخدام المناورات الدبلوماسية .
بما أن إستمرار الضغوط العسكرية من الولايات المتحدة وحلفائها قد يضعف موقفهم الميداني، فمن المحتمل أن يعمدوا إلى استثمار هذه الظروف في استعراض قوتهم العسكرية، وكذلك تحسين مواقفهم في أي مفاوضات محتملة .
فقد يسعون إلى استغلال التغيرات الإقليمية، مثل التقارب بين إيران والسعودية، للحصول على تنازلات إضافية .
سيناريوات المستقبل :
الحرب أم السلام؟
مع تزايد الضغط على جميع الأطراف، يبدو أن الوضع قد يتجه نحو مرحلة حاسمة .
فعلى المدى القريب، يبقى التصعيد العسكري هو السمة البارزة، إلا أن التحولات الإقليمية والدولية قد تفتح الباب أمام مفاوضات جديدة قد تفضي إلى تسوية سياسية .
في النهاية، سيظل الصراع معلقاً على موازين القوى العسكرية والضغوط الدبلوماسية، ويبقى الخيار الأهم في يد القوى الكبرى التي ستحدد، في النهاية، ما إذا كان السلام ممكناً في هذا المشهد المعقد .
الخلاصة ؛
خطاب المشاط لا يعد مجرد دعوة للسلام، بل هو بمثابة خطوة إستراتيجية في لعبة سياسية معقدة، يسعى الحوثيون من خلالها إلى إعادة تشكيل المشهد الإقليمي بما يخدم مصالحهم .
في هذا السياق، يسعى الحوثيون إلى الضغط على السعوديين، كسب التعاطف الداخلي والإقليمي، وفتح قنوات دبلوماسية قد تتيح لهم تحقيق مكاسب ملموسة على طاولة المفاوضات .
لكن يبقى السؤال الأهم :
هل ستنجح هذه الإستراتيجية في تحقيق أهدافها، أم أن التصعيد العسكري الأمريكي سيعيد ترتيب موازين القوى بشكل يعزز النفوذ الغربي ويقلل من فرص الحوثيين ؟
مع تزايد التعقيدات العسكرية والدبلوماسية، تبقى الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة عن هذه التساؤلات .
هل سيكون هذا الخطاب بداية لتحول جذري في مسار الحرب، أم أنه مجرد تكتيك جديد في صراع معقد وطويل ؟
الإجابة ستتكشف مع تطور الأحداث، ولكن ما هو مؤكد أن هذه اللحظة قد تكون مفصلية في إعادة رسم موازين القوة .